القرطبي
213
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) ذكر منازل أهل النار وسماهم أصحاب الشمال ، لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم ، ثم عظم ذكرهم في البلاد والعذاب فقال : ( ما أصحاب الشمال . في سموم ) والسموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن . والمراد هنا حر النار ولفحها . ( وحميم ) أي ماء حار قد انتهى حره ، إذا أحرقت النار أكبادهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم ، كالذي يفزع من النار إلى الماء ليطفئ به الحر فيجده حميما حارا في نهاية الحرارة والغليان . وقد مضى في ( القتال ( 1 ) ) ( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) . ( وظل من يحموم ) أي يفزعون من السموم إلى الظل كما يفزع أهل الدنيا فيجدونه ظلا من يحموم ، أي من دخان جهنم أسود شديد السواد . عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وكذلك اليحموم في اللغة : الشديد السواد وهو يفعول من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار . وقيل : هو مأخوذ من الحمم وهو الفحم . وقال الضحاك : النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود . وعن ابن عباس أيضا : النار سوداء . وقال ابن زيد : اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار . ( لا بارد ) بل حار لأنه من دخان شفير جهنم . ( ولا كريم ) عذب ، عن الضحاك . وقال سعيد بن المسيب : ولا حسن منظره ، وكل مالا خير فيه فليس بكريم . وقيل : ( وظل من يحموم ) أي من النار يعذبون بها ، كقوله تعالى : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ( 2 ) ظلل ) . ( انهم كانوا قبل ذلك مترفين ) أي إنما استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا متنعمين بالحرام . والمترف المنعم ، عن ابن عباس وغيره . وقال السدي : ( مترفين ) أي مشركين . ( وكانوا يصرون على الخنث العظيم ) أي يقيمون على الشرك ، عن الحسن والضحاك وابن زيد . وقال قتادة ومجاهد : الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه . الشعبي : هو اليمين الغموس وهي من الكبائر ، يقال : حنث في يمينه أي لم يبرها ورجح فيها . وكانوا يقسمون أن لا بعث ، وأن الأصنام أنداد الله فذلك حنثهم ، قال الله تعالى مخبرا عنهم : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ( 3 ) ) . وفي الخبر :
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 237 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 243 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 15 .